الكوميديون شعراء هذا العصر
للإغريق كانت الفلاسفة، وللعرب كان الشعراء، ولهذا العصر الأمريكي كوميديوه. لكل حضارةٍ وزمان خواصه، ولا أحد يُجسدها أفضل من الذين يتحدثون باسمها؛ فيوثقون وضع الشارع ويروون لسان الحال. ولربما اليوم، لا يُخفى دور الكوميديين في المجتمع الغربي والعربي وتأثيرهم على الناس؛ فبِمناقشتهم مواضيعاً ليست فقط هزليةً باعثة على البهجة كما كانت الطبيعة الأولى للعمل الكوميدي، إنما أيضاً مواضيعاً جديةً، كالسياسِي والاجتماعي منها بأسلوبٍ مضحك جمعوا بين الترفيه والتفكير والاستنهاض. وبالتالي، اجتمعت طبقاتٌ مختلفةٌ من المجتمع لتَتشارك الضحكات. وهذا يطرح الكثير من الأسئلة، فمثلاً: متى بدأ الكوميدي بملئ دور المُستنهض؟ وكيف كانت رحلة الكوميدي عبر الزمن من مهرج الملك إلى مُلقي النكت -ذات الطابع الخطابي أحياناً- على المسارح؟ وبل حتى الجمهور تغير فاتخذ الضحك بديل التصفيق والاستهجان. والسؤالٍ الذي أُعنى به في هذا المقال: كيف تختلف المعالجة الكوميدية عن المعالجة الشعرية والفلسفية للقضايا؟ وما هو تأثير هذة المعالجة على المجتمع والناس في التعامل مع هذة القضايا؟
ما بين الشاعر والكوميدي
كان الشاعر والشعر سلاحاً في يد العرب يستخدمونه فيما بينهم. فهم احترفوا اللغة في وقتٍ مضى حتَّمها عليهم وَلعهم الدائم بالجدال والاستعراض والبوح. فقد كان لكل قبيلةٍ شاعرٌ يقوم بحمايتها بأشعاره. كان الشاعر يرسم صور ابداعية وبلاغية ويتحدث عن قصصٍ وبطولاتٍ وغرامياتٍ يومية في زمن الفرسان. فيُثير الإعجاب ويُسكت الخصوم ويَستنهض الهمم ويُروح عن النفوس اطراباً باللغة التي حيكت باتقان. وَكان يمدح ويَذم أشراف وأرْذال العرب. وبل يُقال أن خوف العرب من هجاء الشعراء كان أعظم من سرورهم بالمديح. فقد قالوا، لا تقع في لسان شاعر. أما كومِيديو اليوم، -خصوصاً الكوميديا السياسية الهجائية الساخرة- فهم يرتجُون الضحكات وينتعِشون بالقهْقهات ويستعرضون حُججهم بالنكات. فيرون أن الضحك الدليل الأصدق على القبول؛ لما فيه من تفاعليةٍ طبيعية. فالتَّصفيق أو الاستهجان قد يُزيفان، بينما الضَّحكة لا تُزيف. واختيار الكوميديا الساخرة كوسيلة يظهر لنا راحة حقوقية وفكرية يعيشها الجمهور في عالم مادي يمكنه من السعي وراء الترفيه والمتعة للترويح عن نفسه بدلاً من التَّفكر حول الأشياء بشكل ينظر له على أنه ملل أو التَّغني بالأشعار بشكل ينظر له على أنه سخيف ولا ينتمي لهذا العصر.
شوائب المعالجة الكوميدية
المعالجة الكوميدية هي معالجة محدودة؛ وبل لا تصلح لمناقشة بعض المواضيع الإنسانية البحتة التي تتسم بالمباشرة والآنية. فبنية النكتة الساخرة تعتمد على وجود وسيط: التلويح والإِيماء، الذي يقول، أنت تعرف ما أقصد لكن كلانا لا نقوله ولذلك نحن نضحك عنه/عليه. وقد يتغير هذا الوسيط من كوميدي للآخر لكن بدون وسيط لا توجد نكتة.
ويظهر هذا التشقق على سطحها، عندما ترى صورة طفل ميت على شاطئ، أو عندما يُطلق النار في تجمعٍ ويُقتل الكثيرون، أو عندما نتحدث عن موضوع كالتحرش الجنسي. ومثال هذا، أسلوب الكوميدي جيمي كيميل الذي اختلف عن أسلوبه الكوميدي المعتاد في معالجة المواضيع مثلاً عندما مرض ابنه واتصال الموضوع بقضية التأمين الصحي الذي يشغل المجتمع الأمريكي. وأيضاً، حادثة لاس فيغاس التي أثرت به لكونه تربى بها. وكأن لسان حاله يقول هذة المواضيع تَمُسني علي أن أكون جدياً. وهو ما فعله، فقد ألقى كلمات جادة غنية بالمعلومات -مقارنة بالسابق- وأحياناً مُبكية تخللتها نكتة هنا وهناك لكن النكتة لم تكن سيدة الأسلوب. وقد ارتفعت نِسب مشاهداته عكس زميله جيمي فالون الذي يفضل عادة الهزلي. ويعود ذلك لعدة أسباب، أرى أن أحدها، هو أنك عندما تتألم كثيراً في هذا النوع من القضايا الإنسانية التي تمُسك، أنت لا تريد أن تضحك. في الحقيقة، في هكذا حوادث، لا توجد نكتة مضحكة أصلاً إلا إذا كنت جريدة شارلي ايبدو.
وهنا تكمن محدودية الكوميديا الحديثة في أن تكون وسيلة خطاب وسرد واستنهاض وحيدة لهذا العصر. فهي ليست مرنة كفاية لتكون متعددة الاستعمالات. ولربما يُقال رداً على ذلك، أن المحدودية ليست عيباً كبيراً؛ فلكل أداة، محدودية معينة. ومع أن لكل أداة محدودية إلا أن نوع ومعنى هذة المحدودية يختلف. المعنى لها هنا هو إقصاء مشاعر إنسانية أصيلة كالألَم والحزن والكرب أو على الأقل عدم أخذها حيزها المناسب لعدم توفر آلية كوميدية لهكذا محتوى. وهذا، مثلاً، لا يحدث في الفلسفة والشعر. ويحضرني هنا اقتباسٌ لنيتشه يقول فيه: “النكتة تعبير ساخر عن موت الشعور،” بمعنى أننا بعد أن نتعدى ما نحس به، نستطيع أن نُلقي وَنتقبل النكت عنه؛ فتصبح معالجة لاحقة لا آنية. وبالتالي، أتساءل ما هو تأثير هذا على الجمهور المتلقي؟
وهذا الكلام يُقابل بأن هذا ليس هدف الكوميديا من الأساس: تناول مشاكل جادة وأفعال عميقة تغير مجرى حياة الجمهور. هناك التراجيديا لفعل ذلك. وأن غاية الكوميديا بعث الضحك حول خطأ أو نقيصة دون أن تسبب الألم كما يُعرفها الفيلسوف أرسطو. فيُجادل كوميديو هذا العصر، بأن هناك نقائص لأشخاص وأفعال تصلح بأن تكون موضعاً للضحك والسخرية منها، خصوصاً لأولئك الذين يتقلدون السلطة؛ وبل يراهنون على أن استنهاض الكوميديا للجمهور بأسلوب هادئ عن طريق الضحك فعَّال أكثر وممتع لجميع الأطراف. وهنا نرى الفهم العربي التقليدي -ليس الحديث- والغربي لما هو مُضحك يجتمعان باستخدام التلويح والإِيماء ويفترقان ليكونا كخطين متوازيين على إجابة سؤال: ما هو مضحك؟
فالفكاهة، عند العرب، هي ما يُتمتَّع به ويستحسن من الغريب والنادر من الكلام عبر استخدام التلويح والإِيماء. ولذا تعريف المضحك غربياً يميل بطبيعته للسُخرية من النقائص. وعربياً، لما هو فكاهي وغير مسبوق ذو ندرة. وهذا لا يعني أن العرب جديدون على السخرية والهجاء، لكنهما كانتا تندرِجان تحت الشعر الهجائي أو رشقات اللسان؛ بمعنى هم لا يُمازحونك عندما يهْجونك؛ وإن كان من الهجاء ما يُضحك ويَسخر إلا أن السخرية والهجاء أمور جادة لا تدخل بالهزل. مما أدى لكثير من سوء فهم ..
الكوميديا، وخصوصاً الستاند آب كوميدي، تستخدم السخرية والتهكم كَأداتين كوميديتين حصريتين في البرامج الكوميدية السياسية. وهذا الحصر، ألا يُحول الكوميدي إلى هاجي/منتقد فقط؟ وبذلك تنشأ محدودية جديدة للكوميديا في أن تكون وسيلة سرد واستنهاض؛ فكيف يكون السبيل للثناء على الجيد؟ وهل تنتهي النكت أن كان لا يوجد شيء ليُسخر منه أو يُنتقد؟
إنها نكتة لا تأخذها على محمل الجدية
يقول نكتة ثم يُلحقها بقوله: “لا تأخذها شخصية!” وعلى أنني أتفق أن البعض يلزمهم “خفة دم” للتعامل مع أمور الدنيا ومصائبها. وبل بعض مصائبها و بلاياها، يدخُل في قول العرب، شر البلية مايُضحك؛ إلا أنني على الصعيد الفلسفي والأدبي أتساءل، هل يصح استخدام هذة المقولة “لا تأخذها على محمل الجدية” مع الكوميديا الهجائية الساخرة وهي لم تعد تناقش الهزلي إطلاقاً؟
قد يكون القالبُ نِكَتِياً لكن المحتوى جديٌ أكثر من مديرة مدرسةٍ متوسطة للبنات ولاذع أكثر من لسان الحماة. يردد الكثير من الكوميديين السياسيين الساخرين أنهم ليسوا بِصحفيين وأن جُل ما يريدونه إضحاك الناس. ولكن -وإن كان ذلك حقيقاً وصادقاً- لا يمكن أن يكون القصد الإضحاك حصراً لِكوميدي المحتوى الجاد إذا استطعت أن أصنفَنهم لوحدهم وأفصِلهم عن كُوميدي المُحتوى الهزلي كـروان أتكينسون، الذي قام بدور مستر بين، مثلاً. فهَذة المقولة: أن هدف الكوميدي السياسي هي الإضحاك فقط، مقولةٌ تُحجم من غاياتهم ومُحتواهم؛ فلماذا إذن هم يصرون عليها؟
فعندما قال جون ستيورات على برنامج البرنامج لباسم يوسف: “إذا كان نظامك لا يستطيع تحمل نكتة، إذن ليس لديك نظام،” أراد أن يقول أن النظام القوي، لا تأثر به النكتة؛ فحَجَّم دور النكتة، بأنها شيء صغيرٌ وبرئ يُراد منه الضحك ولكن هذا القول لا يتسق مع استعمال النكت في تقزيم الُمنكت عنه وتأليب الرأي العام عليه، كما يفعل أغلب كوميديو أمريكا اليوم مع حكومة ترامب سواء استحقت المنظومة ذلك أم لم تستحقه. وعندما تنجح النكتة بفعل ذلك، بوجه حقٍ أو دونه، هل تبدو النكتة كشيء برئ صغير ومضحك وحسب لك؟ هي بذلك تكون كالبَعوضة التي تُدمي مقلة الأسد. وهنا تكمن قوتها، بِأنها ليست “قوية.” بالمعنى الكلاسيكي. وإن كان حجم النكتة صغيراً، هذا لا يجعل أثرها كذلك. ولذا علينا أن نسأل أين حدود النكتة؟ هل عندما تُصبح غير مضحكة أم غير مقبولة؟ ومتى تصبح غير مقبولة؟ هل عندما تكون غير مضحكة؟ ويبدو لي حالياً، أن القبول يساوى بالضحكِ؛ فإن ضحكت الناس فهذا يعني القبول. وهذا القول أن الضحك دليلُ قبول هو تكافؤ مغلوط؛ فهناك نكتة مضحكة ولكنها غير مقبولة.
ختاماً، الغاية في هذا المقال هو سرد تساؤلات عن طبيعة الكوميديا الحديثة والدور الذي تشغله الكوميديا في معالجة ومناقشة المشاكل الاجتماعية والسياسية. وما هو تأثير هذة المعالجة والمناقشة على الفرد والمجتمع الحديث في ظِل ما يحصل من أخبار وأزمات تستوجب منا البحث عن معالجة فعالة.
كتبته: أريج عبدالعزيز
كتبته: أريج عبدالعزيز
Illustration: Franziska Barczyk
مقالة